الشيخ محمد حسن المظفر
292
دلائل الصدق لنهج الحق
الهجر ، فقابل إحسانه بأعظم إساءة ، ونصيحته بأكبر غشّ ، وهدايته بأضلّ ضلالة ! وكيف يريدون إقامة الحقّ وتقويم الشريعة ، ووليّهم بنصّ الكتاب المجيد ، ومولاهم ، وأخو نبيّهم ، وباب علمه ، ووارثه بين أظهرهم [ 1 ] ، لا يلتفتون إليه بوجه ، بل ينتهزون فرصة اشتغاله بتجهيز النبيّ ويتنازعون الإمرة بينهم في السقيفة ، ويستعملون في نيلها الحيل والتزويرات ؟ ! وكيف يقصدون إقامة الحقّ وقد انتهكوا حرّمة نبيّهم صلَّى اللَّه عليه واله وسلَّم بترك دفنه وغصب بضعته ولمّا يطل العهد حتّى ماتت مقهورة غضبى ؟ ! وكيف يقال في حقّهم ذلك وقد ارتدّوا على أدبارهم القهقرى ، وكلَّهم إلى النار ، ولا يخلص منهم إلَّا مثل همل النعم ؟ ! وقد روى الطبري [ 2 ] ، عن ابن عبّاس ، أنّ عمر قال : أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمّد صلَّى اللَّه عليه واله وسلَّم ؟ ! فكرهت أن أجيبه ، فقلت : إن لم أدر فأمير المؤمنين يدريني . فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة فتبجّحوا على قومكم بجحا بجحا [ 3 ] ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت . فقلت : يا أمير المؤمنين ! إن تأذن لي في الكلام وتمط عنّي الغضب تكلَّمت . فقال : تكلَّم [ يا بن عبّاس ] !
--> [ 1 ] سيأتي ذكر مصادر الفقرات المتقدّمة في محالَّها مفصّلة . [ 2 ] في تاريخه ص 31 من الجزء الخامس [ 2 / 578 حوادث سنة 23 ه ] . منه قدّس سرّه . [ 3 ] البجح : الفرح ، والتّبجّح : الفخر ، والمعنى هنا أنّهم سيفخرون بالخلافة على قومهم فرحا وعجبا ؛ انظر : لسان العرب 1 / 316 مادّة « بجح » .